تحتضن مدينة شرشال الساحلية العريقة، عددا هائلا من الكنوز التاريخية، التي خلفتها الحضارات المتعاقبة على الجزائر عبر الزمن، ومن بين هذه الدرر، مسجد شرشال الكبير، أو مسجد المائة عرصة، كما يدعوه سكان المدينة.. “الشروق العربي”، زارت المسجد، وتجولت في أرجائه التي يفوح منها عبق الحضارات، ممزوجا برائحة الصمود والتحدي.


أزيد من خمسة قرون، لم تكن كافية لتغير ملامح هذا الصرح الإسلامي، فالمسجد الكبير بمئذنته أندلسية التصميم، مازال حتى اليوم نسخة جميلة عن مسجد قرطبة، منذ بناه مهندس يدعى ابن عباد الأندلسي، من مسلمي الأندلس النازحين إلى شمال إفريقيا في القرن السادس عشر، وبالتحديد عام 1574 ميلادي، بما يوافق 981 للهجرة، الفريد في هذا المسجد أن أهالي المنطقة أعلمونا بأن أعمدته المائة التي سمي نسبة لها بمسجد المائة عرصة، شيدت من مادة الغرانيت محلية الصنع، والمستخرجة من المكان الشهير في الناحية، “حجرة النص”، خلال زيارتنا للمسجد أبهرتنا تلك الأعمدة في تراصها، خلف بعضها البعض في تناسق كبير، ووفق هندسة عجيبة جعلت نظرنا يبهر بها، فالتركيز في إحدى تلك العرص المصطفة يوحي إليك وكأن بقية العرص التسع والتسعين تنبثق من جذعها، ناهيك عن الهندسة المغاربية التي اتبعت في بنائه، والتي تعتمد على وجود صومعة واحدة للمسجد.







الحاج رياض ابراهيم، هو أول جزائري عمل بالمسجد بعد تحويله من قبل السلطات الفرنسية، بداية من الخامس عشر جوان 1962، التقيناه هناك، أين روى لنا تفاصيل التحولات الكثيرة التي مر بها هذا الصرح التاريخي العريق، يقول رياض ابراهيم: بعد أربعة قرون على بناء مسجد المائة عرصة، دخلت فرنسا إلى مدينة شرشال، واحتلت جزءا صغيرا من مسجدها الكبير، الذي يقع في مكان استراتيجي وسط المدينة، حتى تحوله إلى مستوصف، تقدم فيه العلاج للمحتاجين، وبعد فترة بدأ الاستعمار يتوسع على مساحات أكبر، وبات الفرنسيون يستولون على أجزاء أخرى من المسجد، بحجة أن ما هو مستغل غير كاف للعناية بالعدد الكبير من المرضى، وتم إرساء أربعة إلى ستة أسِرة في بادئ الأمر، إلا أن تم احتلال كامل المسجد، وتجهيزه بحوالي مائة سرير للرجال، وعشرة أسرة للنساء، وحسب ما هو مؤرخ حول المسجد، وما يرويه لنا الحاج رياض ابراهيم أنه في عام 1962 كان المسجد لا يزال كما حوله الاستعمار إلى مستشفى، خاص بالعجزة وكبار السن، وبعد الاستقلال طلب المسؤولون والمهتمون بالشؤون الدينية في الجزائر، إرجاع المسجد إلى سابق عهده، الذي كان عليه قبل الاستعمار، وبحكم العتاد الكبير الذي كان يشغل مساحة المسجد، فقط تعطلت العملية، قبل أن يفتح مجددا أمام المصلين، في حدود سنة 1963.









ومع مرور الوقت، وبتوافد المصلين على المسجد الكبير بمدينة شرشال، فقد الأخير شيئا من رونقه بسبب الإهمال الذي طاله، لكن، يقول إمام المسجد الحالي، أنه في الثمانينيات من القرن الماضي، بادرت جماعة من المحسنين وأهل البر والخير إلى ترميم معالمه، وإعادته إلى ما كان عليه من رونق وبهاء، وقد كان للمسجد ثلاثة أسماء: “المسجد الكبير، مسجد المائة عرصة، مسجد الجمعة”، وبعد تجديده، اختير له من هذه التسميات، “المسجد الكبير”، لتظل التسمية تدل على هذا المعلم التاريخي في المنطقة، والذي تشرف يوما ما إبان الاستعمار الفرنسي بزيارة الأمير عبد القادر الجزائري، في فترة مقاومته للاحتلال، أين أقبل على تنصيب نائب له في منطقة بني مناصر، يدعى مالك البركاني، وخطب في الناس حاثا إياهم على محاربة العدو.




المسجد الكبير يحتفي برمضان


fatok



رغم أن عمر المسجد الكبير يزيد عن خمسة قرون، إلا أنه كما أطلعنا إمامه الفاضل، لا يزال منارة للعلم والدين في المنطقة، فبالإضافة إلى فتحه أبوابه للصلاة، تقام بمسجد المائة عرصة أنشطة كثيرة أخرى على مدار العام، وخاصة في شهر رمضان، من تحفيظ للقرآن الكريم، وإقامة الدروس اليومية في الدين والحياة، وتعليم محو الأمية، وإحياء الأعياد، ومحاضرات تاريخية قيمة، حول الثورة والكفاح.